الشيخ السبحاني
16
مفاهيم القرآن
وعلى ضوء ذلك فالدّين السماوي دين موحّد ، والمبلِّغون له رجال صالحون ، متلاحقون ، موحّدون في الهدف والغاية ، مختلفون في الشريعة والمنهل ، والجميع يبشّرون بالحلقات التالية بأمانة وصدق وإخلاص . وهذه الآية وإن كانت تركّز على أخذ الميثاق من السابقين على اللاحقين ولكن الآية التالية تعرب بفحوى الكلام على أنّ المتأخّر أيضاً كان مأموراً بتصديق السابق ، ولأجل ذلك قال المسيح عند بعثته : « مُصدِّقاً لِمَا بَينَ يدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ » ( الصف / 6 ) . وقد أمر النبيّ امتّه بالإيمان بما انزل على من سبقه من الأنبياء ، وقال سبحانه : « قُلْ آمنَّا باللَّهِ ومَا انزلَ عَليْنَا ومَا انزِلَ علَى إبرَاهيمَ وإسْمَاعِيلَ وَإسحَاقَ وَيَعْقُوبَ والاسبَاطَ ومَا أُوتِيَ مُوسَى وعيِسَى والنَّبيُّونَ منْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ونَحْنُ لهُ مُسْلِمُونَ » ( آل عمران / 84 ) . ثمّ إنّ القرآن الكريم يذكر ذلك الميثاق في آية أخرى على وجه الاختصار ويقول : « وَإِذْ اخَذْنَا منَ النَّبيِّينَ ميْثَاقَهُمْ وَمنْكَ « 1 » وَمِنْ نُوحٍ وابرَاهِيمَ ومُوسَى وَعيسَى ابن مَريَمَ واخَذَنا مِنْهُم مِيثَاقاً غَليِظاً » ( الأحزاب / 7 )
--> ( 1 ) . وقد ذكر سبحانه النبيين بلفظ عام يشمل الجميع ثمّ سمّى خمسة منهم بأسمائهم بالعطف عليهم ، ولم يخصّهم بالذكر إلّا لعظمة شأنهم ورفعة مكانتهم ، فإنّهم أصحابالشرائع ، وقدعدّهم على ترتيب زمانهم لكن قدّم النبي وهو آخرهم زماناً لفضله وشرفه ، وتقدّمه على الجميع ، وسمّى هذا الميثاق بالميثاق الغليظ ، إذ به تستقر كلمة التوحيد ورفض الوثنية في المجتمع البشري ، فلو لم يؤمن نبي سابق باللاحق ولم ينصره ، كما أنّه لم يصدّق نبي لاحق النبي السابق لفشلت الدعوة الإلهية من الانتشار وسادت الفوضى في الدين . وفي الآية احتمال آخر ، وهي إنّها ناظرة إلى ميثاق آخر مأخوذ من الأنبياء وهو أخذ الوحي من اللَّه وأدائه إلى الناس من دون تصرّف ، ويشهد على ذلك قول الإمام عليّ عليه السلام في حقّهم : « واصطفى سبحانه من ولده أنبياء ، أخذ على الوحي ميثاقهم ، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم » . نهج البلاغة ، الخطبة / 1 .